عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

107

اللباب في علوم الكتاب

فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون كل واحد كان منهيّا عن الكتمان ، ومأمورا بالبيان ؛ [ ليكثر المخبرون ] « 1 » ؛ فيتواتر الخبر . فالجواب : هذا غلط ؛ لأنّهم ما نهوا عن الكتمان ، إلّا وهم ممن يجوز عليهم الكتمان ، ومن جاز منهم التّواطؤ على الكتمان ، جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء ، فلا يكون خبرهم موجبا للعلم ، والمراد من [ الكتاب ] « 2 » قيل : التّوراة والإنجيل ، وقيل : القرآن ، وقيل : أراد بالمنزل الأوّل ما في كتب المتقدّمين ، والثّاني ما في القرآن . قوله تعالى : « أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ » يجوز في « أولئك » وجهان : أحدهما : أن يكون مبتدأ ، و « يلعنهم » خبره ، والجملة خبر « إنّ الّذين » . والثاني : أن يكون بدلا من « الّذين » و « يلعنهم » الخبر ؛ لأن قوله تعالى : « وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ » يحتمل أن يكون معطوفا على ما قبله ، وهو « يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ » وأن يكون مستأنفا ، وأتى بصلة « الّذين » فعلا مضارعا ، وكذلك بفعل اللّعنة ؛ دلالة على التجدّد والحدوث ، وأن هذا يتجدّد وقتا فوقتا ، وكرّرت اللعنة ؛ تأكيدا في ذمّهم . وفي قوله « يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ » التفات ؛ إذ لو جرى على سنن الكلام ، لقال : « نلعنهم » ؛ لقوله : « أنزلنا » ، ولكن في إظهار هذا الاسم الشريف ما ليس في الضمير . فصل في معنى اللعنة ، والمراد باللاعنين اللّعنة في أصل اللّغة : هي الإبعاد ، وفي عرف الشّرع : الإبعاد من الثّواب ، واختلفوا في الّلاعنين ، من هم ؟ فقيل : دوابّ الأرض وهوامّها ؛ فإنّها تقول : منعنا القطر بمعاصي بني آدم ، نقله مجاهد ، عن عكرمة « 3 » . وقال : « اللّاعنون » ، ولم يقل « اللاعنات » ؛ لأنّه تعالى وصفها بصفة من يعقل ، فجمعها جمع من يعقل ؛ كقوله تعالى : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [ يوسف : 4 ] و يا أَيُّهَا النَّمْلُ ] « 4 » ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [ النمل : 18 ] وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [ فصلت : 21 ] . و « وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ يس : 40 ] وقيل : « كلّ شيء إلّا الإنس والجنّ » قاله ابن عبّاس « 5 » . فإن قيل : كيف يصحّ اللعن من البهائم ، والجمادات ؟ فالجواب من وجهين :

--> ( 1 ) في ب : ليكن للمخبر . ( 2 ) في ب : الكتب . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 254 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 296 ) وزاد نسبته لسعيد بن منصور عن مجاهد . ( 4 ) في ب : وكآية النمل . ( 5 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 4 / 149 ) .